لماذا ترتبط الأماكن التي نُحبها دائمًا بالعطور الزكيّة؟

لماذا ترتبط الأماكن التي نُحبها دائمًا بالعطور الزكيّة؟

أثناء زيارة لطيفة لمنزل جديّ في الحيّ القديم الذي لا زال يسكنه منذ الستينيات، لفت نظري كيف ختم حديثه المطوّل عن روعة أيام الشباب بقوله: هذا المكان “يعبق” بالأيام الخوالي. استوقفتني كلمة (يعبق)، فتساءلت: لماذا ترتبط الأماكن التي نُحبها دائمًا بالعطور الزكيّة؟ حتى إن كنت من جيل الألفية، ولم تعتد العيش في منزل كبير كالذي عاش به ذووك، فلا بدّ أنك لاحظت كيف تٌعيد لك بعض الروائح -كرائحة العود- ذكريات سعيدة على الفور. صحيح؟

قد لا نفكر في الأمر كثيرًا، غير أن للروائح المختلفة قوى مذهلة جدًا. من خلال تعريض نفسك للروائح المختلفة، يمكنك تغيير حالتك المزاجية على الفور. واليوم، سنتعرف على تأثير الروائح على الحالة المزاجية وكيفية استخدامها لصالحك.

الرابط السريّ بين المزاج والرائحة

[ويعبَقُ ذاك التُّرْب من أوجُه الدجى …. كما فاحَ من نشرِ الأحبةِ أعبقه ~ ابن هانئ الأندلسي] بحسب مجلة (Psychology Today)، تمتلك الروائح قدرة فائقة على إثارة ذكريات عاطفية “Emotional Memories” أكثر من الصور الفوتوغرافية بمراحل (فكّر على سبيل المثال في اصطدام انفك بالرائحة الفريدة للحب المفقود على فرشاة الشعر أو قطعة من الملابس. هذا عادة ما يكون أكثر عاطفية بكثير من النظر إلى صورة قديمة).

يصبح هذا الارتباط بين الرائحة والعاطفة أكثر وضوحًا عندما يفقد الشخص القدرة على الشم (وهي حالة تُعرف باسم اللاشميّة – Anosmia). حيث يميل المصابون بها للإبلاغ عن فقدان الحيوية العاطفية في حياتهم، وعادة ما ترتبط الحالة بالاكتئاب السريري.

كما كشفت أحدث الأبحاث أن الذكريات التي تثيرها رائحة معينة، غالبًا ما ترتبط بزيادة النشاط داخل الجهاز الحُوفِيّ (أو ما يُطلق عليه اسم المخ الانفعالي – Emotional brain). علاوة على ارتباطها بزيادة نشاط الدماغ في المناطق المسؤولة عن الذكريات الحيّة. المثير للاهتمام أن للرائحة القدرة على تذكيرك بالذكريات الجيدة والسيئة على حدٍ سواء، لذا فهي تساهم بالمثل إما على تحسين مزاجك أو تعكيره. و ما يهمنا هنا -بالطبع- هو ..

كيف تستخدم الروائح؟

للروائح أسرارها، فالروائح قادرة على إثارة الذكريات، قادرة على تحسين المزاج وعلى تحسين الصحة. الروائح الجميلة ساحرة ومؤثرة

أدى هذا الاهتمام المتزايد بالروابط بين حاسة الشم والعاطفة والسلوك البشري إلى ظهور مجال جديد للدراسة العلمية، يُعرف باسم علم الأروماكولوجيا-aromachology. إحدى النتائج الرائعة هي ملاحظة أنه حتى الروائح غير المحسوسة تقريبًا (الروائح اللاشعورية) يمكن أن تؤثر على استجابات البشر. في إحدى الدراسات، تمت إضافة رائحة المسك إلى العطر بتركيزات أقل من عتبة الاكتشاف الواعي. طُلب من المشاركين في الدراسة الجلوس مع -وتقييم إحداهما تضع رائحة المسك (بدرجة غير مُركّزة) والأخرى لم تضعه.

صُنّفت المرأة في الحالة الأولى -عمومًا- على أنها أكثر جاذبية من الثانية. على الرغم من أن النساء اللتان استعان بهما الباحثون كانتا توأم متطابق! قد يكون الجمال في الأنف، وكذلك في عين الناظر. وأظن أن الشاعر بشار بن برد نسي مقطعًا مهمًا في مطلع قصيدته: (( يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا )). فهمتم قصدي، صحيح؟

عرّضت دراسة أخرى عملاء المتاجر الكبرى إما إلى عطر خفي أو بيئة عديمة الرائحة. في المتوسط، بقي العملاء في المتاجر لمدة أطول بنسبة 20% عندما كانت الرائحة الخفية موجودة. يبدو أن الروائح، حتى تلك التي لا ندركها، يمكن أن تكون مؤثرة في تشكيل آرائنا وسلوكياتنا. وتشير النتائج المستخلصة من هذا المجال الجديد المثير من علم العطور إلى أن مستقبل العطور قد لا يكمن فقط في صناعة العطور ومستحضرات التجميل، ولكن أيضًا في الرعاية الصحية والتسويق. تبدو منطقة الخليج، بتقاليدها العطرية التي تعود إلى آلاف السنين، في وضع جيد لتقديم مساهمات كبيرة في هذا المجال الناشئ.

تمنحك معرفة آلية تأثير الرائحة على مزاجك الفرصة لاستخدامها لصالحك. لا يمكنك استخدام الروائح المختلفة لاستعادة ذكريات معينة فحسب، وإنما لتشعر بطريقة معينة أيضًا. على سبيل المثال، هل تعلم أن بمقدور رائحة الحمضيات –كالنفحة الأولى من إيوان– أن تزيد شعورك باليقظة والهدوء؟ لذلك، إذا كنت تكافح من أجل الاستيقاظ والبدء في العمل، فإن استخدام زيت عطري يفوح برائحة الحمضيات قد يساعدك حقًا.

بالمقابل، ربما كنت تبحث عن وسيلة طبيعية للمساعدة على النوم والاسترخاء. إذًا، سترغب في التركيز على الزيوت العطرية التي تحتوي على اللافندر (مثل هبوب).

هل تعطير منزلك مهم؟

تقول (آنا كوتشان سونوانا – Anna Kochan-Sonawane)، وهي مؤسسة شركة Welivein للعطور الطبيعية” يُعتبر جهاز التعطير إضافة رائعة لأي منزل. فهو يقوم برفع قوى تحسين الحالة المزاجية للزيوت العطرية، ويخلق شعورًا بالرفاهية ويعزز تجارب الحياة الإيجابية. ولا يمكن أن ننسى كونه -أيضًا- طريقة ممتازة لتنقية الهواء وإبعاد الفيروسات والبكتيريا التي يحملها الهواء وتلطيف الأخير برفق، وهو أمر مهم وخاصةً خلال أشهر الشتاء عندما يكون الهواء جافًا بسبب استخدام أجهزة التدفئة”

وهنا في أسكوب، قمنا بتجميع بعض الروائح المفضلة لدينا لتستقي بعض الإلهام. طابق العطر بوظيفة غرفتك لتشعر بالفوائد الإيجابية التي يمكن أن يوفرها لصحتك النفسية اليوم.

الحمام – النعناع والحمضيات

يحفز النعناع عقلنا وجسمنا. لذا يمكن لدفعة جديدة من النعناع في الصباح أن تمنحك دفعة من الطاقة التي تحتاجها لتتجهز ليومك. بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسات إلى امتلاك زيت النعناع خصائص تعمل على تحسين الحالة المزاجية، لذلك يتم تغطية اليقظة والتحفيز. للحمضيات تأثيرات مماثلة، هل لاحظت كيف تربط إعلانات سوائل الاستحمام روائح الحمضيات بكلمات مثل “نظيف” و “لطيف”؟ اجعل صباحك منعشًا ومنعشًا مع أمواج: مزيج فريد من الليمون العطري والهندي، متوّج بلمسة من زهر البرتقال والمسك الكشميري.

المكتب المنزلي – إكليل الجبل

مع انتشار الجائحة وانتقال معظم الموظفين للعمل انطلاقًا من منازلهم، بات الجميع يبحث عن طريقة للاحتفاظ بالتركيز في أعلى مستوياته. بعد بحث مطوّل، وجدنا السرّ: تستخدم (بيثاني ويليامسون -Bethany Williamson) الزيوت العطرية التي تتضمن إكليل الجبل في مكتبها المنزلي وغرف الدراسة لأطفالها كل عام. ينشط عطر الأيام الكبيرة (سيدارة) العقل ويحفز التفكير الواضح وهو علاج طبيعي للصداع والإرهاق الجسدي.

غرفة المعيشة/الجلوس – الياسمين

إن كانت ممارسة اليوجا إحدى أهدافك للعام الجديد، فلدينا مفاجأة لك! يشتهر الياسمين بقدراته المرتفعة ويمكن أن يحفز الشعور بالاسترخاء وتجديد الطاقة. يبرز عطر الياسمين ثقتك بنفسك والتفاؤل، بل ويستخدم بشكل شائع كمضاد للاكتئاب (يمكن القول أنه -متعدد المواهب- إلى حد ما!) جرّب (بتلات) للحصول على مزيج مثالي من شذى الياسمين وزهرة فريزيا وعبير الدراق. نضمن لك أن يشكّل ذاك المزيج الرائحة المثالية لتكمل مساحة معيشتك.

المطبخ/غرفة الطعام – المسك والعنبر

لطالما ارتبطت (اللّمة) حول مائدة الطعام بالدفء والذكريات الجميلة المرتبطة بالسعادة. اسمح للأرض أن تتكلم عن نفسها، بأجمل ما لديها من زيوت عطرية بأريج الفواكه الاستوائية، واسمعها تنطق كلمة “معالم” اجلس واسترخ واستمتع بالأحاسيس التي يمكن أن تجلبها عطور الشتاء الدافئة مثل العنبر والمسك الأبيض والفانيلا إلى منزلك.

غرفة النوم – الزهور

في بعض الأحيان، يتوجب عليك التمتع بعبق الماضي فعلًا. فوائد الاحتفاظ بالزهور النضرة في منزلك لا حصر لها، لكن هل فكرت يومًا بباقة زهور في غرفة نومك؟ أثبتت إحدى الدراسات أن رائحة الورود تحسن “النمط العاطفي – Emotional tone” لأحلامنا؛ جرّب الخزامى المجفف بجانب السرير، فقد ثبت أن خصائصه المهدئة تقلل التوتر والتوتر، مما يؤدي إلى نوم أفضل وأعمق ليلاً. أما إن كنت تُعاني الحساسية من حبّات الطلع، فيمكنك تجربة “هبوب” على مسؤوليتنا الخاصة. يساعد هذا الزيت العطري المليء بالثقة والبساطة والرشاقة على منع وعلاج الصداع والتوتر وحتى الأرق.

رشّة أخيرة

كما ترى، يمكن أن يكون للروائح تأثير كبير على شعورك. فهي قادرة على إثارة الذكريات المنسية وتغيير الحالة المزاجية على الفور. يمكن أن تساعد العطور في جميع أنحاء المنزل/مساحة العمل على تحسين حياتك حقًا. لا تخف من تجربة روائح جديدة، امزجها حتى تجد المزيج المناسب لك، وخلق الأجواء التي تبتغيها في الغرف التي تريدها.

لحُسن الحظ، بات من السهل الآن –بفضل أجهزة التعطير– إحاطة نفسك بالروائح القوية بغض النظر عن مكان وجودك، وهي غير مكلفة أيضًا. لذا -وبغض النظر عن ميزانيتك- ستتمكن من الاستثمار في العطور التي تعدّل حالتك المزاجية وتمنحك مزيدًا من التحكم في ما تشعر به خلال لحظات. فماذا تنتظر لتجرّب قوة العطور العظيمة؟

وخير ما نختم به مقالتنا، الصلاة على نبينا المصطفى الذي روى عنه أنس بن مالك رضي الله عنه فقال: «كان رسول الله صلَ الله عليه وسلم إذا أُتي بطيب لم يرده» رواه النسائي – [صحيح البخاري 5585]

  هذا المقال نشر أولاً على منصة زد: https://bit.ly/3r8lYl7

إليك أيضاً مقالاً عن أسرار تأثير الروائح على الحالة المزاجية

مقالات ذات صلة
اترك تعليقك

لن يتم مشاركة بريدك الإلكتروني. الحقول المشارة بـ (*) إلزامية